١ ـ أتبادلني... أيها البحر؟
أيها البحر...
كم أحبك، أيها البحر،
يا سارقَ الفجرِ من حريره.
لم يبقَ غيرُ القهر.
بادلني، أيها البحر.
أتبادلني؟
سوف أبادلك
بسرجِ مدينةٍ
على جناحِ يمامة،
وأعطني عصفورًا أخضرا،
مرآةَ قلبٍ أورقَه الصبر.
أودُّ لو بادلتُك...
أتبادلني، أيها البحر؟
بادلني عمري الدامي،
وصمتًا طويلًا،
بأغنيةٍ من ضوءِ الشمس،
أُضمِّد بها نسيمَ الحلم
في قلبِ زهرة تنبلج
بفرحِ شرنقةٍ
ذاتَ صباح،
سدرةً لقلبي.
فنطيرُ كما نشاء.
بادلني... بادلني..
أتبادلني، أيها البحر؟
------------------------------
٢ ـ كيف أعود من عينيكِ؟!
"""""""""""""""""""""""""""
أعرفُ أنكِ وجدتِني،
لكنني لم أجدْ نفسي بعد.
فأخبريني...
أين أنا؟
على ما أذكر،
آخرَ مرةٍ،
كنتُ أحدِّثُ الثريا عنكِ.
وحين بلغتُ آخرَ مجرَّة،
عابرًا أبعدَ مدار،
حدَّقوا طويلًا في عينيَّ،
حتى قرأوا فيهما السر.
ثم أذنوا لي أن ألج.
بعدما قرأتُ لهم،
طوالَ أمسية،
قصيدةً أخرى.... لم تُكتب عنك بعد.
ولجتُ
إلى أقصى حد.
كنت دومًا أعبر...
من عالمٍ إلى عالم،
ومن كونٍ إلى كون،
في سماءٍ غيرِ السماء،
وأرضٍ غيرِ الأرض.
وفي كلِّ مرة،
كان يسألني من يراني:
من أين هذا الرجل؟
من أين أتيت؟
فلا أتذكر... إلا أنتِ.
لم أعرفْ كيف أعودُ أبدًا
من هناك.
وقد أفلتَ مني السر.
أخبريني،
كيف أعودُ من عينيكِ؟
-----------------------------
٣ ـ طائرُ اللامعقول
------------------------------
أيها النشيدُ القادمُ من قلبِ النور
يا طائرَ اللامعقول،
أفِق...
صنعتُ لك من قلبي
خاتمًا أبيضَ،
ومن نصاعةِ الروح
قلادةً خضراء،
تميمةً من مطرِ الربيع
أيها النشيدُ
المُغشى عليه في قلبي،
أفِق... أفِق.
هنا عواصفُ مجنونةٌ
لريحٍ باردة،
تحاربُ عذريةَ الحلم،
وتُطفئُ تغريدَ طائرٍ حزين.
على غصنِ الحياة...
أفِق... أفِق،
أيها النشيد،
من غفوتِك في قلبي؛
فما زال قلبي شدوك ينتظر.
------------------------------
٤ ـ أجنحةُ الملائكة
------------------------------
أطلقتُ حفنةَ فراشاتٍ عذارى،
نبتتْ من أجنحةِ الملائكة،
على ضفةِ حلمٍ سماوي.
في اللونِ الأخضر،
في صدحِ البلابل،
تحت نورِ الفجرِ الجديد،
على وجهِ الشمس،
بين السلامِ السماوي...
تشدو...
هناك وجدتكِ.
في صمتِ البحرِ،
في حنينٍ خفيٍّ،
في عمقِ سرٍّ...
كان اسمُكِ آخرَ ضوء...
--------------------------------
٥_ ما الذكرى إلا فجرٌ كذوب
---------------------------------
يا نفسُ...
مَن أنتِ؟
من نحن؟
كلَّ يومٍ نسبرُ غورَ الأيام،
ونُخفي سرًّا،
وطوايا الروحِ
تطمرُ ماضيًا،
في عمقِ ذكرى،
نواري من غاب.
يا نفسُ...
من نحنُ
إذا نثرنا كلَّ يومٍ
ذكرياتٍ،
ووارينا في النسيان
مَن كان؟
والليلُ الغائمُ
يتبعني
عبرَ عمرٍ ومسافات،
يذكِّرني
أنني رحلتُ ذاتَ يوم.
فاتبعيني،
ولو للحظة،
كما أنتِ.
أُريكِ طريقًا خفيًّا،
وحدي
أنا من يراه.
من هنا
صوتُ الذكرى،
ومن هنا
يترددُ صداه.
ما الذكرى
إلا فجرٌ كذوبٌ،
بلغ منتهاه.
إلى ذاك الحِمى
فاعبري،
واطمري الذكرياتِ
الساجيةَ
بصمتكِ.
يا نفسُ...
بين الظلال.
فما أنا والغربةُ
إلا رفيقان.
-------------------------------
٦_ سبعمائةُ يوم
--------------------------------
أيتها الحقيقةُ
الموشومةُ في القدر...
نعم، أنتِ،
وليس إلا أنتِ.
أتعلمينَ
لِمَ تأخَّرَ الرَّد؟
لأنَّ الزمنَ
متوقِّفٌ هاهنا
منذُ سبعمائةِ يوم.
هذا هو الرَّد،
قبلَ أن تندثري...
فكيف كنتُ أُجيب؟
منذُ سبعمائةِ يوم،
أسبحُ وراءَ اللامعقول،
بين النجوم،
بسرٍّ أخفاه حنينُ الليل..
وحين كان اليأسُ
يسري في القلب،
كانت عيناي
تبحرانِ ساهرتين،
وكان الكونُ كلُّه
هجودًا.
نعم، أنتِ،
وليس إلا أنتِ.
والزمنُ
ما عاد زمنًا.
ظلَّ كما هو،
وأنا... هو أنا،
بسرِّي،
وأنا... والحقيقةُ، نسبحُ بين النجوم.
منذُ سبعمائةِ يوم،
وأنا ساكنُ الفضاء،
مرتحل.
لم أرَ حقيقةً بازغة،
ولا شيئًا يكتمل،
إلا القدرَ... واليقينَ.
أيتها الموشومةُ...
تلك هي الحقيقة.
في حسابِ الأيامِ سبعمائةُ يوم.
أما في حسابِ القدر،
هي، من قبلِ أن نولد،
خارجَ حدودِ الزمن..
---------------------------------
7_ فيروزة
-----------------------------------
يؤانسني
حلمٌ حائرٌ من عقبى الأيام،
رهينُ محبسِ الصمت.
يشاطرني الغفوَ على آخرِ سطرٍ
الموصدِ على الأمس.
يتجرعُ لحظاتِ جوعِ الروح،
على غصَّةٍ،
لم يدعْ منها لي إلا الجروحَ
والشعر.
وتكسَّرتُ أنا،
مصلوبةً كلماتي،
تتكئُ، على استحياءٍ، جريحةً
تُحاكمُ كسحرٍ يسري..
وحلمي تحتضنه كلمةُ «فيروزة».
أردتُ أن أقولها،
ولم أقلها أبدًا.
في ميقاتِ الغربة، مطروحًا، قلتُ: إنني أحب...
وكدأبي،
أجمعُ ذكرانا،
وقد غيَّبني صمتُ أولِ سطر.
ولم أقلْ مما خبأتُ شيئًا،
في جوفِ الدهر،
...
أيها الحلمُ المنزوي، الكذوبُ كظلِّ ليل،
قذفني في البحرِ نثارًا.
وأنا أعودُ كلَّ مرة، الفارسَ الشادي،
بلونِ اسمها الأخضر.
لم يجمعنا طريقٌ إلا طريقُ الحزن،
فيَّ وفيكَ.
ومن قلبِ الصخر تنسابُ جداولُ المحراب،
تهزمُ الريح، وتقاومُ السراب.
-----------------------------------
٨ _ أوخزُ جراحي
------------------------------
أوخزُ جراحي...
في لحظةِ الوداع،
بصمتِ شمسٍ تنطفئ،
بأنينِ حلمٍ في نبضِ نجم،
برحلةِ انتظارٍ طويل.
أوخزُ جراحي...
بزفراتِ أمسٍ مضى،
وانزواءِ طائرٍ غريد،
بجراحِ فجرٍ منفيّ،
في لحظةِ فراق.
أوخزُ جراحي...
بشتاءٍ رماديّ،
بنوافذِ الأيام،
بتلاشي البحرِ في الغروب،
بسدولِ ليلٍ يطوي الرحيل،
وبغربةٍ وحنين،
وبحطامِ خُطاي.
أوخزُ جراحي...
بزيتونةِ الشمسِ بلا زيت،
لم تُوقدْ صباحًا من العمر.
وداعٌ
لم يقتنصْ همسَ دمعةٍ
في الريح.